فيحان الفيحاني
10-08-2007, 06:26 AM
داريــــــن
دارين ذلك الاسم الذي طالما ردده رواد سفن الغوص في العشرينات من القرن الماضي, كما كان له الاسم قبل وبعد الإسلام, وفتحت دارين في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة 12 هجرية ذكر ذلك ابن جرير والبلاذري وأبو الفرج الاصبهاني في خبر ردة (الحطم) بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, ودارين قرية وادعة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية إذا أردت الوصول إليها لا بدلك من الطواف بالخبر والدمام والقطيف وعنك وتاروت فهي في أقصى الشمال الشرقي من المنطقة عاش أهلها على اللؤلؤ والتجارة وصيد الأسماك والتبادل التجاري مع الخليج وبالذات البحرين, وقال ابن خلدون: دارين هي من بلاد البحرين (القديمة) ينسب إليها الطيب كما تنسب الرماح إلى الخط فيقال(مسك دارين ورماح الخط).
فالعائلات في دارين متصلة ومرتبطة بالقربى والدم والنسب والمصاهرة والعيش مع العائلات البحرينية, والنسبة إليها داري وهي جزيرة ساحلية قديمة ترتبط حالياً مع اليابسة بجسر معهد طوله بضعة أكيال وهي تتفرع إلى دارين البلدة سنابس, الزور, تاروت, اشتهرت دارين في معظم المصادر القديمة بأنها كانت حلقة اتصال مع تجارة جنوب شرق آسيا, تؤمها سفن الهند والصين وغيرها ثم قلت أهميتها بعد أنشاء ميناء البصرة, وفي جزيرة دارين تقع (تاروت القديمة) التي يظن بأن أسمها القديمة(عشتاروت) على اسم الوثن الفينيقي. وتروى في هذه البلدة قصص وروايات فيها الكثير من العبر والعظة والموعظة, فهذه البلاد شهدت اتصالات وعلاقات وثيقة مع أبناء الخليج, وكان لها دورها الرائد في الشعر والنثر والدراسات البحرية, كما كان لها دورها الإسلامي والدعوة إلى الدين الحق, عمرت بيوتها, ومجالسها برجال يشار إليهم إلى اليوم بالبنان كالشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني والشيخ راشد بن فاضل البنعلي وعندما تذكر دارين تتداعى للذاكرة تلك الأيام الحبلى بالخير والعطاء ألم يقل الشاعر الأعشى: يمرون بالدهناء خفافا عيابهم.
ويرجعون من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أورهم فندلازريق المال ندل النعالبو كذلك أللم يقل المثل: (كمن يهدى التمر إلى هجر والمسك إلى دارين)..
فقد بلغ متن شهرة دارين في التجارة العطور أن كل عطار يسمى (داري)
وقال بن حميدس:
وراهبة أغلقت ديرها فكنا مع الليل زوارها هدانا إليها شذى القهوة
تذيع لأنسك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتى تيمم دارين أو دارها
وقال جرير:
ذكرنا مسك داري لو أرج وبالحنا خزامي طلها الرهم
وقال الفرزدق:
فلما اجتمعنا بالعالي بيننا ذكي أتي من أهل دارين تاجره
ولا زالت دارين تعطي الكثير بفضل أبنائها وأحفاد أولئك الرجال روى لي أحد أبناء عمومتي أحمد بن غانم ممن يعشق تاريخ وسير أهل دارين أن أحد وجهاء دارين مشهور ببيع اللؤلؤ وكان طواشاً عرف بالورع والتقى والأمانة والصدق والكرم وبينما هو في رحلة إلى الهند وفي طريقه كان يعد اللؤلؤ ويفرزها ويصنفها ما بين الدانة, وسالجي وونس "مُملفهـ" و"السحتيت", وألوانها الأبيض, والوردي وغيرها, وإذا هو كذلك حان موعد صلاة المغرب, فطوى اللؤلؤ في السجادة التي يجلس عليها, وقام للوضوء والصلاة, وإذا بأحد مخدوميه, وقد رأى أن الشيخ, وهذا ما كانو يطلقون عليه, قد قام إلى الصلاة, فأراد أن ينظف السجادة التي كان يجلس عليها إذ ربما علق بها غبار أو رمل سقط عليها, فرفع السجادة في الهواء ونظفها ملقياً ما فيها من لؤلؤ في البحر دون أن يدري ما بها.
فعاد الرجل إلى مكانه ووجد السجادة في مكانها ولكنه لم يجد اللؤلؤ فسأل الصبي عن ذلك, فقال لقد نظفت يا سيدي السجادة لكي تكون جاهزة, فأطرق الرجل الحكيم وتمالك نفسه وأعصابه, فالخير قد ذهب, ولكن الأيمان بالقضاء والقدر لا يذهب وأطرق مليا, ونادى في السفينة على الطواوويش الغوص, قبل أن يصل إلى بومبي قائلاً لهم: ((أيها الأخوة, لقد قررت شراء جميع ما تملكون من لؤلؤ, وسوف أسدد لكم أموالكم من بيعي للؤلؤ في بومبي بالسعر الذي يتعاملون به هناك)).
فوجد الطواوويش ذلك منطقياً فأشترى نهم ما كان بحوزتهم جميعاً, وعندما رست السفينة في ميناء بومبي, جاء تجار الهند ليشترواً اللؤلؤ فأشار الجميع إلى ذلك الشيخ وقالوا: ((إن جميع ما نملكه من لؤلؤ هي في حوزة شيخنا)).
واخذ يفاصلهم إلى أن وصل إلى السعر المناسب فباع تجار الهند ما يملك من لؤلؤ, وقام بتسديد حصة كل واحد منهم بالسعر الذي وصل إليه سعر اللؤلؤ في ذلك الوقت.
فارتاح الشيخ, وارتاح التجار ومضى الحال إلى ما هو عليه إلى أن اخبرهم بالقصة, فصارت مضرب الأمثال, فقد كان حريصاً على أن يكون قوياً في حالة ضعفه.
كما روى لي قريبي أيضا قصة لأحد أعيان دارين, فقال: إن الرجل كان ذا يسر وغنى, وكان كريم اليد عف اللسان, عرف في قومه بالتقى والورع, حكيماً عاقلاً, ومرجعاً في حالة اختلاف الناس, قادر على أن يوفق بينهم ويحل مشاكلهم وكانت تربطه بتجار الخليج علاقات منافع ومتبادلة, ويتم التعاون في البيع والشراء, وكان البيع بالتقسيط أو ((السلف)) شائعا فيما بينهم حتى ولو لم يكن بينهم شيء مكتوب, ولكن الثقة المتبادلة والقدرة على الوفاء بالدين من شيمهم وأخلاقهم وسجاياهم.
وضاقت بالرجل السبل, وكسدت تجارته وأصابه ظرف قاس فلم يقدر على سداد الدين في وقته وبدأ التجار يرسلون إليه الوفود تلو الوفود لتذكيره بسداد الدين, وهو يوعدهم خيراً, فلو كان يملك لما رجع كل واحد منهم خالي الوفاض.
وقرر التجار أن يأتوا إليه في دارين فربما يكون ذلك أجدى وأنفع وأبلغوه بموعد قدومهم.
فأعد الرجل عدته, وأبلغ أصحابه ورجاله بأن يفرشوا الأرض من ميناء دارين إلى بيته بالسجاد, وأن يحملوا إلى ضيوفه من مراكبهم إلى السفن الصغيرة التي ستحملهم إلى فرضة دارين الصغيرة.
وأتى الضيوف وإذا بهم يفاجأوا بهذا الكرم, وهذه النفس العزيزة وبهذا الاستقبال الكبير وبالبشر والترحاب والوجه الحسن والقبول الممتاز. فأخذوا يتهامسون ويقدمون الواحد منهم للآخر لكي يحدث الشيخ عن حاجتهم والغرض الذي جاءوا من أجله, فلم يجرؤ أحد منهم أن يفاتح الشيخ بعد ما لقوا من ترحاب وكرم ولم يطلبوا الحاجة التي جاءوا من أجلها فالرجل أكرمهم وحفهم بلطفه وأخلاقه وشملهم بعين رعايته, فانصرفوا شاكرين ومقدرين وخرج الرجل من حرجه ومن ضائقته التي هو فيها.. وعندما يسر الله له وجادت الأيام وربحت التجارة قام بسداد جميع ديونه إلى أصحابه, إلى زواره الذين أتوا إليه في دارين يوم ذاك وهكذا لم يقف الرجل موقف الضعيف المتخاذل, اليائس, المحبط بل وقف موقف الرجال الشجعان و ((سقط واقفا)) شامخ الجبهة مرفوع الرأس, وهكذا هي الحياة يجب أن نواجهها بقوة ورباطة جاش وقوة إرادة وعزيمة صلبه وإيمان بالله قوي لا يتزعزع ولا يتوانى أو يخضع.
هذه القصص من دارين تؤكد لنا بأن الإنسان تمر عليه ظروف ويعيش لحظات ضعف إنساني وتنتابه المآسي وتكشر عن أنيابها له الأيام وقد تشيح بوجهها عند, ولكنه يجب أن لا يضعف ويتوانى ويتراخى. حدثني الشيخ خليفة بن عبد الله آل خليفة عن والده يرحمه الله الشيخ عبد الله بن محمد آل خليفة رئيس الهيئة البلدية المركزية الراحل طيب الله ثراه إذ قال له: ((يابني لا تجعل يدك إلى خدك عندما تضيق بك الحياة فيشمت بك عدوك)) فقد كان الشيخ يقصد أن لا يظهر على سلوكنا ووجوهنا الضعف والانكسار, فالعدو يسعده أن يرنا على هذه الحال, بينما يألم الصديق وتضيق نفسه بما يشاهد.
علمنا آباؤنا وأجدادنا أن نكون أقوياء ساعة الضعف وأن نكون رحماء ساعة الشدة, وعلمونا محبة الآخرين, واحترام الغير, وعلمونا الكثير, ورسم لنا القرآن الكريم العبر والعظات وأرسى فينا قيم التراحم والتواد والتصافي, فمن دارين حكمة ومن البحرين حكمة.
وعلى الخير والمحبة نلتقي.
الكاتب: خليل الذوادي
دارين ذلك الاسم الذي طالما ردده رواد سفن الغوص في العشرينات من القرن الماضي, كما كان له الاسم قبل وبعد الإسلام, وفتحت دارين في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة 12 هجرية ذكر ذلك ابن جرير والبلاذري وأبو الفرج الاصبهاني في خبر ردة (الحطم) بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, ودارين قرية وادعة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية إذا أردت الوصول إليها لا بدلك من الطواف بالخبر والدمام والقطيف وعنك وتاروت فهي في أقصى الشمال الشرقي من المنطقة عاش أهلها على اللؤلؤ والتجارة وصيد الأسماك والتبادل التجاري مع الخليج وبالذات البحرين, وقال ابن خلدون: دارين هي من بلاد البحرين (القديمة) ينسب إليها الطيب كما تنسب الرماح إلى الخط فيقال(مسك دارين ورماح الخط).
فالعائلات في دارين متصلة ومرتبطة بالقربى والدم والنسب والمصاهرة والعيش مع العائلات البحرينية, والنسبة إليها داري وهي جزيرة ساحلية قديمة ترتبط حالياً مع اليابسة بجسر معهد طوله بضعة أكيال وهي تتفرع إلى دارين البلدة سنابس, الزور, تاروت, اشتهرت دارين في معظم المصادر القديمة بأنها كانت حلقة اتصال مع تجارة جنوب شرق آسيا, تؤمها سفن الهند والصين وغيرها ثم قلت أهميتها بعد أنشاء ميناء البصرة, وفي جزيرة دارين تقع (تاروت القديمة) التي يظن بأن أسمها القديمة(عشتاروت) على اسم الوثن الفينيقي. وتروى في هذه البلدة قصص وروايات فيها الكثير من العبر والعظة والموعظة, فهذه البلاد شهدت اتصالات وعلاقات وثيقة مع أبناء الخليج, وكان لها دورها الرائد في الشعر والنثر والدراسات البحرية, كما كان لها دورها الإسلامي والدعوة إلى الدين الحق, عمرت بيوتها, ومجالسها برجال يشار إليهم إلى اليوم بالبنان كالشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني والشيخ راشد بن فاضل البنعلي وعندما تذكر دارين تتداعى للذاكرة تلك الأيام الحبلى بالخير والعطاء ألم يقل الشاعر الأعشى: يمرون بالدهناء خفافا عيابهم.
ويرجعون من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أورهم فندلازريق المال ندل النعالبو كذلك أللم يقل المثل: (كمن يهدى التمر إلى هجر والمسك إلى دارين)..
فقد بلغ متن شهرة دارين في التجارة العطور أن كل عطار يسمى (داري)
وقال بن حميدس:
وراهبة أغلقت ديرها فكنا مع الليل زوارها هدانا إليها شذى القهوة
تذيع لأنسك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتى تيمم دارين أو دارها
وقال جرير:
ذكرنا مسك داري لو أرج وبالحنا خزامي طلها الرهم
وقال الفرزدق:
فلما اجتمعنا بالعالي بيننا ذكي أتي من أهل دارين تاجره
ولا زالت دارين تعطي الكثير بفضل أبنائها وأحفاد أولئك الرجال روى لي أحد أبناء عمومتي أحمد بن غانم ممن يعشق تاريخ وسير أهل دارين أن أحد وجهاء دارين مشهور ببيع اللؤلؤ وكان طواشاً عرف بالورع والتقى والأمانة والصدق والكرم وبينما هو في رحلة إلى الهند وفي طريقه كان يعد اللؤلؤ ويفرزها ويصنفها ما بين الدانة, وسالجي وونس "مُملفهـ" و"السحتيت", وألوانها الأبيض, والوردي وغيرها, وإذا هو كذلك حان موعد صلاة المغرب, فطوى اللؤلؤ في السجادة التي يجلس عليها, وقام للوضوء والصلاة, وإذا بأحد مخدوميه, وقد رأى أن الشيخ, وهذا ما كانو يطلقون عليه, قد قام إلى الصلاة, فأراد أن ينظف السجادة التي كان يجلس عليها إذ ربما علق بها غبار أو رمل سقط عليها, فرفع السجادة في الهواء ونظفها ملقياً ما فيها من لؤلؤ في البحر دون أن يدري ما بها.
فعاد الرجل إلى مكانه ووجد السجادة في مكانها ولكنه لم يجد اللؤلؤ فسأل الصبي عن ذلك, فقال لقد نظفت يا سيدي السجادة لكي تكون جاهزة, فأطرق الرجل الحكيم وتمالك نفسه وأعصابه, فالخير قد ذهب, ولكن الأيمان بالقضاء والقدر لا يذهب وأطرق مليا, ونادى في السفينة على الطواوويش الغوص, قبل أن يصل إلى بومبي قائلاً لهم: ((أيها الأخوة, لقد قررت شراء جميع ما تملكون من لؤلؤ, وسوف أسدد لكم أموالكم من بيعي للؤلؤ في بومبي بالسعر الذي يتعاملون به هناك)).
فوجد الطواوويش ذلك منطقياً فأشترى نهم ما كان بحوزتهم جميعاً, وعندما رست السفينة في ميناء بومبي, جاء تجار الهند ليشترواً اللؤلؤ فأشار الجميع إلى ذلك الشيخ وقالوا: ((إن جميع ما نملكه من لؤلؤ هي في حوزة شيخنا)).
واخذ يفاصلهم إلى أن وصل إلى السعر المناسب فباع تجار الهند ما يملك من لؤلؤ, وقام بتسديد حصة كل واحد منهم بالسعر الذي وصل إليه سعر اللؤلؤ في ذلك الوقت.
فارتاح الشيخ, وارتاح التجار ومضى الحال إلى ما هو عليه إلى أن اخبرهم بالقصة, فصارت مضرب الأمثال, فقد كان حريصاً على أن يكون قوياً في حالة ضعفه.
كما روى لي قريبي أيضا قصة لأحد أعيان دارين, فقال: إن الرجل كان ذا يسر وغنى, وكان كريم اليد عف اللسان, عرف في قومه بالتقى والورع, حكيماً عاقلاً, ومرجعاً في حالة اختلاف الناس, قادر على أن يوفق بينهم ويحل مشاكلهم وكانت تربطه بتجار الخليج علاقات منافع ومتبادلة, ويتم التعاون في البيع والشراء, وكان البيع بالتقسيط أو ((السلف)) شائعا فيما بينهم حتى ولو لم يكن بينهم شيء مكتوب, ولكن الثقة المتبادلة والقدرة على الوفاء بالدين من شيمهم وأخلاقهم وسجاياهم.
وضاقت بالرجل السبل, وكسدت تجارته وأصابه ظرف قاس فلم يقدر على سداد الدين في وقته وبدأ التجار يرسلون إليه الوفود تلو الوفود لتذكيره بسداد الدين, وهو يوعدهم خيراً, فلو كان يملك لما رجع كل واحد منهم خالي الوفاض.
وقرر التجار أن يأتوا إليه في دارين فربما يكون ذلك أجدى وأنفع وأبلغوه بموعد قدومهم.
فأعد الرجل عدته, وأبلغ أصحابه ورجاله بأن يفرشوا الأرض من ميناء دارين إلى بيته بالسجاد, وأن يحملوا إلى ضيوفه من مراكبهم إلى السفن الصغيرة التي ستحملهم إلى فرضة دارين الصغيرة.
وأتى الضيوف وإذا بهم يفاجأوا بهذا الكرم, وهذه النفس العزيزة وبهذا الاستقبال الكبير وبالبشر والترحاب والوجه الحسن والقبول الممتاز. فأخذوا يتهامسون ويقدمون الواحد منهم للآخر لكي يحدث الشيخ عن حاجتهم والغرض الذي جاءوا من أجله, فلم يجرؤ أحد منهم أن يفاتح الشيخ بعد ما لقوا من ترحاب وكرم ولم يطلبوا الحاجة التي جاءوا من أجلها فالرجل أكرمهم وحفهم بلطفه وأخلاقه وشملهم بعين رعايته, فانصرفوا شاكرين ومقدرين وخرج الرجل من حرجه ومن ضائقته التي هو فيها.. وعندما يسر الله له وجادت الأيام وربحت التجارة قام بسداد جميع ديونه إلى أصحابه, إلى زواره الذين أتوا إليه في دارين يوم ذاك وهكذا لم يقف الرجل موقف الضعيف المتخاذل, اليائس, المحبط بل وقف موقف الرجال الشجعان و ((سقط واقفا)) شامخ الجبهة مرفوع الرأس, وهكذا هي الحياة يجب أن نواجهها بقوة ورباطة جاش وقوة إرادة وعزيمة صلبه وإيمان بالله قوي لا يتزعزع ولا يتوانى أو يخضع.
هذه القصص من دارين تؤكد لنا بأن الإنسان تمر عليه ظروف ويعيش لحظات ضعف إنساني وتنتابه المآسي وتكشر عن أنيابها له الأيام وقد تشيح بوجهها عند, ولكنه يجب أن لا يضعف ويتوانى ويتراخى. حدثني الشيخ خليفة بن عبد الله آل خليفة عن والده يرحمه الله الشيخ عبد الله بن محمد آل خليفة رئيس الهيئة البلدية المركزية الراحل طيب الله ثراه إذ قال له: ((يابني لا تجعل يدك إلى خدك عندما تضيق بك الحياة فيشمت بك عدوك)) فقد كان الشيخ يقصد أن لا يظهر على سلوكنا ووجوهنا الضعف والانكسار, فالعدو يسعده أن يرنا على هذه الحال, بينما يألم الصديق وتضيق نفسه بما يشاهد.
علمنا آباؤنا وأجدادنا أن نكون أقوياء ساعة الضعف وأن نكون رحماء ساعة الشدة, وعلمونا محبة الآخرين, واحترام الغير, وعلمونا الكثير, ورسم لنا القرآن الكريم العبر والعظات وأرسى فينا قيم التراحم والتواد والتصافي, فمن دارين حكمة ومن البحرين حكمة.
وعلى الخير والمحبة نلتقي.
الكاتب: خليل الذوادي