المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أضاعوه..واي فتى أضاعوا


فارس الأول
04-30-2006, 03:32 AM
في قصة درامية نسجت خيوطها الأحقاد ، و رسمتها دوافع الانتقام ، تأتي قصة الشاعر العرجي لتظهر ذلك في أجلى الصور التي تفصح عن مدى خطورة الغزل حين يتحوّل سلاحاً يحارب بهِ الرجال بعضهم ، بتدبير المكائد الغزلية المتسربلة بثيابٍ مضللة ، ذاتَ لفظٍ ليّنٍ مسّهُ ، و مثلُ حدِّ السيف ما انطوت عليه .
فلا شك أن الهجوم المعنوي المتخذ من حَرَم الرجل و أهل بيته مادةً و وسيلةً للانتقام ، لهو ذو نتائج ماضية في مجتمعات تقيم كل الأوزان لاعتبارات الشرف و الفضائل ، المتجسدة في أخلاق نساءها .
و العرجي واحد ممن طابت لهم السباحة في هذا البحر ، مطمئنين إلى مراجع القبيلة و صلات النسب ، التي يستجار بحصونها و منيع قلاعها ، للإفلات من المآزق و المطبات التي يصنعها نزق الشباب و إغراء المكائد ، إلاّ أنّ العرجي لم ينعم بخيرات الحماية القبلية – على خلاف منطق عصره – و اكتوى بنار التجاهل و الصمت ، التي جعلته يقبع في سجنه تسعة أعوام حتى غادر الدنيا .
و العرجي هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) ، أي في ذروة البيت القرشي ، نسباً و منعة ، لقب بالعرجي لأنه كان يسكن بموضع يقال له ( العرج ) بنواحي الطائف ، و قد نشأ شاعرنا في مكة التي سبقه إلى قلوب نساءها و أسماعهن عمر ابن أبي ربيعة ، و كلاهما مترفٌ عابثٌ فخور .. و وسيمٌ أيضاً

فكان العرجي فيما عـُرف عنه ، أشقراً، أزرق العينين ، حسن الوجه ، و حيث نال شاعرنا حسن الصورة المدعوم بحسن المنطق المتمثل برقيق الغزل و أمتعه ، فقد ضمن سطوته على قلوب الحسان ، و كان خيرَ خلفٍ لسلفه ، إمام الغزل و فتى قريش المدلل .

و أول خيوط القصة تبدأ عندما قام شاعرنا بالتغزل بـ( جيداء ) والدة محمد بن هشام المخزومي ، مدفوعاً بحب المشاكسة ، و مناوشة السلطة ، و أقربائها و أنسبائها .. :


عـُوجي علينا ربّة الهودجِ ** إنكِ إن لا تفعلي تحرجي
نلبثُ حولاً كاملاً كلّه ** ما نلتقي إلاّ على منهجِ
في الحجِّ إن حجّت وماذا منىً ** و أهلهُ إن هي لم تحججِ


و لا شك أن لهذا الشعر – و إن لم يصدق – وقعه الممضّ على الابن الذي قال مرةَ لأمه جيداء بأنها وضعت من مقامه و قللّت من شأنه ، " و لو كانت أمي من قريش ما وَلي الخلافة غيري " ، و ذلك لاجتراء العرجي على التغزل بها ، و فضحه الابن في شخص أمه..
و لكن لما تعذرّ تصديق أشعار العرجي في الأم و هي التي في عمر والدته ، ركزّ جهده للنيل من محمد ابن هشام بإطلاق الأشعار المتغزلة بزوجته ( جبرة ) ، و إيغار صدر الزوج ببث الغيرة فيه ، فمما قال فيها :


عوجي علينا فسلّمي جبرُ ** فيمَ الصدودُ و أنتمُ سَفرُ
ما نلتقي إلاّ ثلاث منىً ** حتى يفرّق بيننا النفرُ
الحولُ بعد الحولِ يجمعنا ** ما الدهرُ إلاّ الحولُ و الشهرُ

و لا بدّ هنا من " مسرح " ملائم لنسج القصة المختلقة لتكتسي طابعاً واقعياً يجعلها محلّ قبولٍ و تصديق ، و لا مسرح أفضل في ذلك الوقت من " مواسم الحج " ، التي هي أيضاً " أعياد العشاق " ، ما كان منهم حقيقياً و ما كان مزوّراً ، ففيها فرص اللقاء ، و التحادث و ربما أكثر ..
و يذكر أن العرجي هو صاحب تلك الأبيات التي تمثـّلت بها امرأة رآها عبد الله ابن عمر حين خرج حاجاً ، و هي تطوف و تشتم فقال لها : يا أمةَ الله ، ألستِ حاجة ؟ أما تخافين الله ؟ ، فقالت : تأمّل يا عم ، فإني ممن عناهنّ العرجي بقوله :


أماطت كساءَ الخزِّ عن حُـرِّ وجهها ** و ألقت على الخدّين بـُرداً مُهلهلا
من اللائي لم يحججنَ يبغين حسبةً ** و لكن ليقتلن البريء المغفـلاّ

أما محمد بن هشام فقد سكت دهراً ، متجاهلاً ما يسمعه من أشعارٍ سارت بها الركبان ، تهجوه حيناً ، و تصف " اللقاءات " بأمهِ و امرأته حيناً آخر ، حتى جاءته الفرصة للانتقام ، و تحقيق المراد ، عندما ولي الخلافة ابن أخت محمد ابن هشام المخزومي و هو الخليفة هشام بن عبد الملك ، الذي أراد أن يكرم خاله فولاّه مكة ، فأصبح شاعرنا في دائرة نفوذه ، و تحت سطوته ، بما يُيسر تتبع الهنّات و التماس السقطات ، التي تضمن إحكام القبضة على الخصم القديم ..
إلاّ أن العرجي فوق ذلك لم يكفّ عن هجاء محمد بن هشام رغم منصبه الجديد و الكبير ، فيروي صاحب الأغاني أن الخليفة الأموي كتب إلى خاله أن يحجّ بالناس ، فقال العرجي فيه :


ألا قل لمن أمسى بمكة قاطناً ** و من جاء من عمقٍ و نقبِ المُشللّ (1)
دعوا الحجَّ لا تستهلكوا نفقاتكم ** فما حجُُّ هذا العامِ بالمتقبـّلِّ
و كيف يُـزكّـى حجُّ من لم يكن له ** إمامٌ لدى تجميرهِ غيرُ دُلدلِ (2)
يظلُّ يُرائـي بالصـيـامِ نــهــاره ** و يلبسُ في الظلماءِ سِمطيّ قرنفلِ

و حيث أن العرجي لم يكن قليلاً في انتمائه و نسبه ، فقد احتاج محمد بن هشام إلى " تلفيق " ما يمّكنه من حبسه ، إذ يروي صاحب الأغاني أيضاً أن الشاعر شاتم أحد موالي أبيه فأجابه المولى بمثل ما قال ، فسكت عنه حتى إذا جاء الليل بعث إليه بعبيده و غلمانه فضربوه و أوثقوه و نكحوا امرأته بين يديه ثم قتله ، فقدمت المرأة شكواها إلى أمير مكة المتلهف لساعة الانتقام و الأخذ بالثأر ، لكن لو صحّت الحادثة لما احتاج محمد ابن هشام إلى حبس العرجي لسنوات ، و لكان قتـَله تطبيقاً للحد ، و هذا مما يضعف القصة بحسبانها تلفيقاً اقتضته مكانة الخصم ، الذي ما كان من المعقول أن يحبس في شعرٍ قاله ، و هو من هو في ذروة النسب الرفيع من قريش ..
فمضت أيام الحبس و أشهره ، و شاعرنا تحدوه الآمال بالخروج القريب ، و أنّ لا بدّ من " فزعةٍ " في الطريق قادمة ، تحرّكها العلاقات و وشائج القربى ، فقال واثقاً مطمئناً :


سينصرني الخليفةُ بعد ربّي ** و يغضبُ حينَ يُخبرُ عن مساقي
و تغضبُ لي بأجمعها قصيٌّ ** قطينُ البيتِ و الدُّمثِ الرقاقِ
عليَّ عباءةٌ بلقاءُ ليستْ ** مع البلوى تـُغيّبُ نصفَ ساقي

غير أنّ أحداً لم يهبّ لنصرته و إخراجه ، فجعل المكلّفون به يذيقونه ضروباً شتى من المهانة و الضرب و الجلد ، مع رفيقه الحُصين بن غرير ، فيمرّ الناس به و قد صُبَّ على رأسه الزيت و أوقف في الشمس ، لينظر إليه المارة ، فيقول متأسيّا مكروباً ، و قد أوحشه السجن في قبضة الذلّ ، و آلمه انفضاض الأحبّة و الخلاّن :


أضاعوني و أيُّ فتىً أضاعوا ** ليومِ كريهةٍ و سدادِ ثغرِ
و صبرٍ عند معتركِ المنايا ** و قد شـُرعت أسنـّتها بنحري
أجـرّرُ في الجوامعِ كلَّ يومٍ ** فيا لله مظلمتي و صبري
كأنيّ لم أكن فيهم وسيطاً ** و لم تكُ نسبتي في آلِ عمرو ِ

فأمضى " عزيزُ القوم " الذي ذلّ ، تسعة أعوامٍ متقلباً في صنوف الأوجاع ، تحت سقف المهانة و صمت الأقربين ، حتى مات في سجنه بعد أن أضاعه قومه الذين كان فيهم " وسيطاً " ..

و حتى تكتمل فصول القصة الدرامية ، فإن تقلّبات الدهر لا ضامن لها ، و لا واقٍ من شرورها ، و لا عليمٍ بمفاجئاتها ، إذ جاء ثأر العرجي بعد وفاته سريعاً ، فتولّى الخلافة الوليد بن يزيد الذي كان يضمر الضغينة لمحمد بن هشام و أخيهِ إبراهيم ، فأمر بالقبض عليهما و إرسالهما إلى يوسف بن عمر في الكوفة ليتولّى أمر تعذيبهما مع رسالة يقول له فيها : " نفسك نفسك إن عاش أحدٌ منهم " ، فتفنن ابن عمر ما وسعه في ضربهما حتى تلفا ، و ماتا في يومٍ واحد .

و تنتهي هذه القصة التي يختلط فيها الغزل المشاكس لمراكز القوى ، بالكيد الذي تحرّكه أحقاد البشر و رغبات الانتقام ، حين يلّوح الدهر بالفرص السانحة التي تقلّبها الأيام بين محرومٍ منها و فائزٍ بها .

" اتمنى تعجبكم,," تحياتي لكم فارس*

عاشقه الفيحاني
05-02-2006, 04:00 AM
تسلم اخوي على القصه الرائعه

تحياتي لك :)

فارس الأول
05-03-2006, 01:47 AM
عاشقة الفيحاني

اشكر لكي مرورك

تحياتي

أنثى متمرده
05-07-2006, 10:19 AM
يسلموو ع القصه الرائعه
يعطيك ربي العاافيه

تحيااااااااااتي
أنثى متمرده

الصقيري
05-23-2006, 10:19 AM
يعطيك العافيه

تحياتي